ابراهيم بن عمر البقاعي
377
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وكثافتها ، فكان كونها فيها عجبا دالا على عظيم قدرته ، وكان ذكرها يدل على ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات ، بدأ بها ليصير ما يتقدمها كالمذكور مرتين ، فقال مستأنفا وصفها بما هو أعم : فِيها فاكِهَةٌ أي ضروب منها عظيمة جدا يدرك الإنسان بما له من البيان تباينها في الصور والألوان ، والطعوم والمنافع - وغير ذلك من بديع الشأن . ولما كان المراد بتنكيرها تعظيمها ، نبه عليه بتعريف نوع منها ، ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت ، وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأول فقال : وَالنَّخْلُ ودل على تمام القدرة بقوله : ذاتُ أي صاحبة الْأَكْمامِ * أي أوعية ثمرها ، وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر ، وكل نبت يخرج ما هو مكمم فهو ذو كمام ، ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته عندهم ، قال البغوي : وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة ، ومنه كم القميص ، وفيه تذكير بثمر الجنة الذي ينفتق عن نباهم ، وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه على كثرة منافعه من الليف والسعف والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي الثمر منها . ولما ذكر ما يقتات من الفواكه وهو في غاية الطول ، أتبعه الأصل في الاقتيات للناس والبهائم وهو بمكان من القصر ، فقال ذاكرا ثمرته لأنها المقصودة بالذات : وَالْحَبُّ أي من الحنطة وغيرها ، ونبه على تمام القدرة بعد تنبيهه بتمايز هذه المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله : ذُو الْعَصْفِ أي الورق والبقل الذي إذا زال عنه ثقل الحب كان مما تعصفه الرياح التي تطيره ، وهو التبن الذي هو من قوت البهائم . ولما كان الريحان يطلق على كل نبت طيب الرائحة خصوصا ، وعلى كل نبت عموما ، أتبعه به ليعم ويخص جميع ما ذكر من سائر النبات وغيره على وجه مذكر بنعمه بغذاء الأرواح بعد ما ذكر غذاء الأشباح فقال ؛ وَالرَّيْحانُ * ولما كان من كفر به سبحانه بإنكاره أو إنكار شيء من صفاته ، أو كذب بأحد من رسله قد أنكر نعمه أو نعمة منها فلزمه بانكاره لتلك النعمة إنكار جميع النعم ، لأن الرسل داعية إلى اللّه بالتذكير بنعمه ، وكان ما مضى من هذه السورة إلى هنا اثنتي عشرة آية على عدد الكوفي والشامي ، عدد فيها أصول نعمه سبحانه على وجه دل بغاية البيان على أن له كل كمال ، وكان هذا العدد أول عدد زائد إشارة إلى تزايد النعم لأن كسوره النصف والثلث والربع والسدس تزيد على أصله ، وكان قد مضى ذكر الثقلين الجن والإنس في قوله ( الأنام ) قال تعالى إشارة إلى أنهم المقصودون بالوعظ ، منكرا موبخا مبكتا لمن أنكر شيئا من نعمه أو قال قولا أو فعل فعلا يلزم منه إنكار شيء منها مسببا عما مضى من تعداد هذه